الحسين بن نصر ابن خميس

44

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار

فرعى فرسه حتّى أمسى ، فقالوا له : ضمّ فرسك إلى دوابّنا ؛ فإنّ السّباع تأتينا . فأبى ، وتنحّى ناحية ، فأوقدوا النّيران حولهم ، ثمّ أخذوا فرسا لهم صؤولا ، فأتوه به مشكولا « 1 » يقودونه بينهم ، ثمّ قالوا له : إنّ في دوابّنا حجورا ورماكا « 2 » ، فليكن هذا عندك . فأخذه ، ومسح وجهه ، وأدخل يده بين فخذيه ، فعجبوا من ذلك ، إذ وقف الفرس ولم يتحرّك ، ثمّ قال لهم : اذهبوا . فجلسوا ينظرون ما يكون منه ومن السّباع ، فقام إبراهيم يصلّي ، وهم ينظرون ، فلمّا كان في أثناء اللّيل أتته أسد ثلاثة ، يتلو بعضها بعضا ، فتقدّم إليه الأوّل فشمّه ودار به ، ثمّ تنحّى عنه وربض ، وفعل الثّاني ، والثّالث كذلك ، ولم يزل إبراهيم ليلته قائما يصلّي ، حتّى إذا كان وقت السّحر قال للأسد : ما جاء بكم ، أتريدون أن تأكلوني ؟ امضوا . فقامت الأسد ، فذهبت ، فلمّا كان الغد جاء الفزاريّ إلى أولئك القوم ، فسألهم عنه ، وقال : هل جاءكم رجل ؟ قالوا : أتانا رجل مجنون . وأخبروه بقصّته ، فقال : أتدرون من هو ؟ قالوا : لا . قال : ذلك إبراهيم بن أدهم . فمضوا معه إليه ، وسلّموا عليه ، ثمّ انصرف به الفزاريّ إلى منزله « 3 » . وقال عمر بن عيسى : حدّثني أبي قال : خرجت مع إبراهيم بن أدهم إلى مكّة ، وكان إبراهيم إذا قصد مكّة عرج عن الطّريق المألوف ، وكنّا أربعة ، فسرنا حتّى أتينا المدينة ، فاكترينا بها بيتا ، ونزلنا فيه ، فقال إبراهيم : نحن أربعة ، خدمة البيت وما يصلحنا لمعاشنا وإفطارنا وحوائجنا كلّ يوم على واحد منّا ، والثّلاثة يذهبون إلى المسجد ، وينتشرون في أشغالهم . قال : فإنّا يوما لجلوس في البيت ، إذ أقبل رجل آدم ، عليه قميص جديد ، وفي رجله خفّ ، وعليه عمامة ، ومعه مزود يحمله على عنقه ، فدخل إلينا وسلّم علينا ، وقال : أين إبراهيم ؟ . قلنا :

--> ( 1 ) مشكولا : معقولا ، من الشّكال : العقال : الحبل . ( 2 ) الرّماك : جمع رمكة ، أنثى البراذين ، أي غير أصيل . انظر اللسان . ( 3 ) الحلية 7 / 392 ، المختار 1 / 224 ، تاريخ دمشق 6 / 320 .